Tuesday, 14 September 2010

مكابدات القبض على برهة الأبدية العابرية



كتبها: محمد الفقيه صالح

عن كيكــــا



حينما بدأ عاشور الطويبي نشر محاولاته الشعرية الأولى بشئ من التردد، عام 1977، كان يكتب نصوصه بعفوية مترعة بروح القلق والتمرد، وكأنه كان يندفع إلى التخلص من جيشانها السديمي في أعماقه، لذلك حيرنا في البدء نصه القلق بإيقاعه الفوضوي وتشوشه وضبابيته ونثريته المشاغبة والخارجة عن انضباطيتنا التفعيلية، وكأني به كان يتشمم أو يتحسس منحى التحول الكبيرالذي سيطرأ على الذائقة الشعرية العربية الحداثية باتجاه القصيدة الحرة الجديدة (التي شاع تسميتها بقصيدة النثر) في انطلاقتها الكبرى الثانية، أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، تأسيسا على ما أرسته في انطلاقتها الأولى إبان الخمسينيات، وما راكمته من رصيد شعري ونظري لدى روادها الحداثيين العرب، الذين يأتي في طليعتهم توفيق الصائغ ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وأدونيس، فضلا عما تراكم وشاع من ترجمات باللغة العربية لكثير من شعر الحداثة في الغرب.

ولم تكن تلك الكتابات الشعرية التي نشر الطويبي بعضها، عامي 77 و78 تحديدا، سوى محاولات أولى محملة عادة بقلق البدايات وارتباكها، لكن التجربة لم تلبث أن تبلورت وترسخت إبان عشرية الثمانينيات، التي سافر خلالها الشاعر إلى أوروبا ( أيرلندة ) للدراسة العليا في مجال الطب، ما أتاح له فرصة الاحتكاك المباشر بتجربة الحداثة الأوروبية، قراءةومعايشة.


وفي هذه العشرية ، غاب الطويبي عن الساحة الثقافية وعن منابرها المتوفرة المحدودة، بالتوازي مع غياب بعض أصدقائه ومجايليه في غياهب العزل الاضطراري، وإيثار بعضهم الآخر اللواذ بمنفى الصمت الاختياري. ولم يعد الشاعر إلى نشر نتاجه الشعري، في ما توفر من منابر ودوريات محدودة هذه المرة أيضا، إلا بعد أن عاد أصدقاؤه إلى التنفس من جديد في الفضاء الثقافي، أواخر ثمانينيات القرن الماضي وبدايات تسعينياته. وفي هذه الفترة، وبالتحديد في عام

1993، طلع علينا الطويبي بكتابه الشعري الأول " قصائد الشرفة "، فكان مفاجأة لي ولكثير من محبي الشعر في بلادنا، وإيذانا بميلادشاعر حداثي متميز، وتجربة شعرية لافتة.


2


سيرسي الطويبي في "قصائد الشرفة " الأساس الأولي المتين لمشروع شعري ماانفك يتنامى ويتفرع وتتهدل ثماره العفية الطيبة، بما يؤهله لأن يكون أحد الإسهامات الليبية المحدودة في مدونة القصيدة الحرة الجديدة وقصيدة النثر في الثقافة العربية المعاصرة. وسيتخلى منذئذ عن التعمل الذي شاب علاقته القديمة بلغة التجربة الشعرية، باتجاه التناغم والتلاحم معها، مداورة وملاينة، تماما كما قال في كتاب قصائد الشرفة:


منذ عشرين سنة

كنت حادا مع الكلمات.

الآن أصبحت أئن

تحت وطأتها

هي نفس الكلمات.


ستنحو لغة الشاعر، في قصائد الشرفة وفي المجموعات الشعرية الأربعة التي تلته: " أصدقاؤك مروا من هنا " عام 2002 ، و" نهر الموسيقا " عام 2004، و" صندوق الضحكات القديمة " عام 2005، و" قصائد من أعلى الهضبة وظلال الرمل " عام 2008 ، نحو التركيز والتكثيف والاقتصاد والإضمار، وسيتماوج الأداء الشعري بين التقرير والتصوير، وبين البساطة والتركيب، وسيعمد الشاعر إلى تأثيث مشروعه الشعري بكل ما في مقدوره وما في ميسور جماليات شعر الحداثة من أدوات وأسلوبيات، وفي مقدمتها شعريات الرصد والمشهد البصري والتأمل والسرد وغيرها، متلفعا ببردة الحياد الظاهري، ومتسلحا بطراءة روح الطفل وبكارة الطبيعة، ومنصرفا إلى الهامشي والعادي والمتواري، وقد أضفى على كل ذلك ما تيسر من ميتافيزيقاه الشخصية.


وستتبلور التجربة أكثر فأكثر، وتترسخ، بل تتفرع وتغتني بمزيد من الكشوفات واللقى الشعرية، في المجموعات الشعرية الأربعة المذكورة التي تلت " قصائد الشرفة "، حيث يتوغل الشعر في الزوايا الظاهرة والخفية التي تمده بالنسغ والحيوية والغضارة، مصعدا العادي والشخصي والهامشي إلى مستوى الأسطورة الخاصة، ومستدرجا الأسطوري إلى دائرة الألفة، أو لائذا بالطبيعة وصمتها الأبدي من عربدة العبث والعدم والفناء والمجهول المنفتح على اللانهاية، وإلا فكيف نفهم رغبة الريح في " اقتناص الموجات الهاربة منذ قرون / الموجات التي وضعت أثوابها الزبدية على شواطئ الدنيا وانسابت مع الماء في هدوء الموت " ( من كتاب نهر الموسيقى ) ، وكيف نتحسس قلق الكائن الانساني من "صوت قطرات العمر في الغرفة الباردة "، كما جاء في واحدة من ( قصائد من أعلى الهضبة ) ، أما يشي ذلك بالتوق اللافح إلى القبض على برهة الكينونة العابرة وإنقاذها من الاندياح والتلاشي في بحر الزمان السرمدي ؟


2


و فـي هذا الكتاب الشعري الجديد ، يؤكد عاشور الطويبي، بدءا من عنوانه " في معرفة الكائنات والأشياء " وحتى آخر نص فيه ، انتماءه الراسخ والعميق للرؤيا الشعرية الحداثية التي ترى إلى الشعر بحسبانه ضربا مخصوصا من ضروب الوعي والمعرفة ، قائما على حدس البصيرة ، وليس من سبيل إلى اكتسابه غير سبيل الشعر .

ولئن واصل الشاعر في هذا الديوان ، ما اعتاد عليه في دواوينه السابقة ، من اعتماد على أسلوبية التراكم وأسلوبية التكرار ، في تأثيث إيقاعاته الشعرية ، فإننا نلمس حرصه الشديد على عدم الركـون ، لا إلى المنجز الشعري الحداثي العام فحسب ، بل وإلى منجزه الشخصي ذاته .


ولذلك تتعدد وجوه الشعرية في هذا الكتاب ، وتتكثر أدواتها وأساليبها ، بتعدد نصوصه تقريبا ، بحيث يبدو الأمر وكأن كل نص من تلك النصوص إنما جاء نتيجة الضرب في تيه التجريب ومجاهيل المغامرة . واللافت الغريب في هذا الشأن ، أن هذا اللوبان المضني حول الشعري، ومحاولة اقتناصه في شباك الحرف ، لا يقتصر علـى الغامـض الموغل في سريته وهرمسيته فحسب ، كما فـي نص " ناي تنوح بـه الروح وينـوح الجسد ، " أو نص " قلقة عين لاعب النرد "، بل ويمتد حتى إلى البسيط الموغل في قربه وبداهته ، كما في نصوص " خوف " و " أصبع اليد " و " السحب " وغيرها ، وكأن شدة القرب بعد ، من حيث أنها تشد اللقانة إلى الاكتفاء بالبراني، دونما حافز للغوص إلى الجواني النفيس، الذي يجهد الشعر من أجل مناوشته وإيقاظه من عتمته .


بل لايتوانى الشعر، في هذا الكتاب، عن مقاربة الشعري وكشف الغطاء عنه ، حتى في وقائع التاريخ ، مثل نص " القيصر "، الذي يندرج في إطار شعرية التقرير ، والذي يشتمل على حقائق تاريخية ومعطيات رقمية عن " نيكولا الثاني " آخر قياصرة روسيا ، وعن بعض ما اقترفه من فظائع ، لكن المؤسي والموئس في آن معا،الذي يتراءى في خاتمة النص، هو أن الثوار الذين يستندون إلى آلام الشعوب وأحلامها في مقاومة أحلام الأباطرة سرعان ما يتطلعون هم أيضا إلى أن يكونوا أباطرة جددا، لكي تتكرر نفس المأساة من جديد ، في متوالية لا تنتهي .


ويرتدي الشعر في هذا الكتاب _ أحيانا _ إهاب أسلوبية السرد الحكائي، كما هو الأمر في نص " ترنيمة من القرن السابع ق . م " مثلا، الذي يعيد فيه الشاعر بناء حكاية خرافية أوردها هيرودوت عن مأساة أهالي " بسيلي " من الليبيين القدماء الذين خرجوا ، تحت وطأة القحط والجفاف ، إلى الصحراء شاهرين سيوفهم ورماحهم لمقاتلة رياح القبلي الكالحة ، فانتهى بهم الأمر إلى الهلاك في رمل متاهة الصحراء الجهنمية .


4


ولئن كان التجريب أحد االملامح الرئيسة في تجربة الطويبي الشعرية عموما ، فإنه يطرق في هذا الكتاب أبوابا بعيدة تماما عن التوقع ، كأن يتنكر في صورة مدونة بحثية ، ضمن نص طريف وشائق إلى أبعد الحدود ، هو نص " إخفاقات ابن منظور في النخل " ، أو يتبدى في شعرية اللعب والمعابثة ، كما في نص " سيمترية " ، أو في إيقاع السرد السينمائي ضمن ما يمكن أن نسميه " شعرية المشهد البصري " ، التي يمثلها عدة نصوص ، لعل أوضحها نص " خزان أبيض " الذي ينتقل فيه الراصد الراوي من وصف خزان أبيض يلوح له من نافذة حجرة الأطباء ، إلى وصف ممرضة ذات أنف مدبب تحول بحركتها دون تمكن الراصد من رؤية ذلك الخزان رؤية كاملة واضحة ، إلى وصف معطف الممرضة " الذي يحمل : " هلالا أحمر قريبا من القلب / عشرين زرا موزعة بانتظام / وشاحا بخطين متوازيين / وثلاثة طيور وردية / على وشك الانطلاق " لكي نكتشف في نهاية المطاف أن وصف الخزان والممرضة ، في الصورة الكلية للنص ، لم يكن سوى تمويه ومخاتلة ، أما التركيز فكان في حقيقة الأمر على معطف الممرضة الذي يحمل ثلاثة طيور توشك على الانطلاق ، وبذلك يستبان أن الجملة الأخيرة هي التي يتأوج عندها هذا النص الشعري، لانطوائها على انزياح في الدلالة يشي بالرغبة في الانطلاق والحرية، الأمر الذي خلص النص – فيما أرى – من عاديته وألقى به في مدار التوتر الشعري ، دون أن نستبعد أن يكون في الأمر لعب ومعابثة أيضا.

وفي سياق هذا الرصد السريع لوجوه الشعرية ومغامرات التجريب في هذا الكتاب الشعري الممتع ، يعن لي أن أتوقف قليلا عند نص " خوف " الذي يستند هو الآخر إلى أسلوبية التكرار والتوالي ، إذ تتألف بنيته من عدة جمل يبدأ كل منها بفعل " أخاف " في صيغة المضارعة ، بدلالته الزمنية الآنية والمستمرة معا ، وبصورة هي أدنى إلى شكل الدائرة الحلزونية التي يمكن لكلا طرفيها أن يكون مبتدأ أو منتهى ، وأعني بذلك إننا يمكن أن نقرأ هذا النص من أوله إلى آخره ، أو بالعكس ، دون أن نستشعر أي ثقل أو نشاز، ضمن إيقاعية لولبية جهنمية ، تسيطر فيها واقعة " الخوف " وحقيقته القاتمة على كل اللحظة الشعرية إلى حد يشارف تخوم اليأس .


كما أود التوقف أيضا عند نص آخر بعنوان " ربما ليس لا " الذي تفتح " ربما " في المقطع الأول منه باب الإمكان والاحتمال ، بما في ذلك احتمال أن " تتلاشى إلى الأبد خطوات العسس " في حين يخضع المقطعان الآخران اللذان يبدآن بـ " ليس " في أحدهما ، و " لا " في الآخر ، لاستراتيجية الحذف والاقتصاد اللفظي ، التي تفتح هي الأخرى الباب لشعرية المضمر ، فتزيد بذلك من درجة تكثيف النص الشعري ، وتتيح للمتلقي فرصة استنطاق أو استبنات لغـة ثانية في فضائه .


5


ويحضر في عتبات نصوص هذا الكتاب ومتونها ، أصدقاء الشاعر بكثافة وحميمية ملحوظتين :

العباني وحميدان والزنتاني والككلي والفيتوري وزكريا محمد والترجمان والشريف والنمر والعوكلي وأبوشويشة وكاتب هذه السطور ، فندرك أن الشعر قرين الصداقة العميقة الصافية ، بهما تغتني الذات ويزدهي الوجود . كما يحضر بعض من ذويه الذين يشكلون جانبا أساسيا من وجدانه وذاكرته : أمه وأختاه في الإهداء، وأبوه وأخوه " عمر " في إحدى القصائد . هذا بالإضافة إلى الشاعر المناضل " ناظم حكمت " والمبدع العبقري " خورخي بورخيس " . وتحضر كذلك الأماكن والمدن المضمخة بعبق التاريخ والفن والأساطير: صبراتة وسيلين وطرابلس وطلميثة ودمشق والجامع الأموي وروما وغيرها . كما تحضر أشياؤه الأليفة : الماء والزيت والنخل والعسل والدائرة والقوس والسرول وطائر السليو والخطيف ، فضلا عن البحر والسحب والوديان والجبال والصحراء والغابة وحقول القمح والشعير وغيرها من المفردات والعناصر التي تشكل المشهد الطبيعي التي يتحرك ، به وفيه ، الكون الشعري في هذا الكتاب ، حيث يمكن للشاعر أن يخلق بشطحة من قلمه عالما كاملا ، ثم يعن له أن يفنيه أيضا بحركة واحدة من أصبعه ، كما يشي بذلك نص" أصبع اليد "، في عملية هي أدنى إلى فكرة اللعب والمعابثة، وهل الشعر في وجه من وجوهه سوى ضرب من ضروب اللعب؟ ألم يقل هولدرلين إن الشعر " أوفر الأعمال حظا من البراءة " ؟ وهل يختلف الشاعر في ذلك عن الطفل الذي ينمهك في تشييد بيت من الرمل على الشاطئ، ثم لا يلبث في لحظة عارضة أن يحوله بضربة من يده أو قدمه إلى كوم لا معنى له ، وكأن في صنيع الشاعر والطفل كليهما، تساميا على عبثية الوجود وهشاشة الحياة، ولذلك لا يملك ما يسميه الشاعر " الطائر الوعل " ، وهو يتلقى في عزلته العالية شكاوى الكائنات المتألمة، سوى أن يدق في كل صباح " بقدمه الصخرة الصلبة/ وينطلق إلى أعلى صائحا :

لا جدوى

لا جدوى ... "


6


هكذا يكتب الطويبي نصه الشعري المغاير الذي يتغيا خلق واقع جمالي جديد يطاول أفق الأسطورة الجديدة أو المتجددة، بلغة مقتصدة مركزة تتحرك بكثير من العفوية والحرية والحيوية، ولاتتردد في الامتياح أحيانا من الحوشي الغريب، حتى وإن كان ذلك من باب التهكم المر، مثلما تمتح من المتداول المألوف، تسندها في ذلك مخيلة خصبة متوقدة لاتتوانى عن مناوشة الغريب والمدهش وارتياد الأصقاع القصية في عالم التجديد والتجريب والمغامرة، ويؤثثها _ فوق ذلك كله _ وجدان يانع أصيل مفعم بالحب والحكمة والحنين.


منابت الحنظل والشيء الذي ينأى



منابت الحنظل والشيء الذي ينأى / عمر أبو القاسم الككلي / مجلس الثقافة 2006/ 9959380769

يمكن وصف قصص الكاتب عمر الككلي على أنّها من الأعمال التي تعبّر عن أسلوب جيل السبعينات في الكتابة القصصية: ذاكَ الأسلوب المتأثر بأسلوب كتابات جيل الروّاد، بإضافة قصص أكثرَ عمقًا وتحمل الكثير من الأسئلة دونَ الحاجة لتقديم اجاباتٍ لها.

وكتابات عمر الككلي تحملُ نفسًا فلسفيا ونفسيًا، فنجدهُ يحاولُ في كلٍ قصة من قصصهِ الكثيرة المنشورة في الصحف والمواقع الإلكترونية، نراهُ يحاولُ فيها تحليل الشخصيات والدخول في عوالمها وهواجسها. يحاولُ الكاتب الوصول إلى نقاط مهمة وتفاصيل صغيرة للتعرّف على الشخصية من أبعاد دقيقة جدًا، وهذا ما أستنتجتهُ فورَ انتهائي من قراءة مجموعته القصصية الثانية "منابت الحنظل والشيء الذي ينأى"، الصادرة في العام 2006 عن منشورات مجلس الثقافة. هذا التعمّق الديستويفسكي الذي تُطرح من خلالهِ قضايا شائكة رغمَ أنّها صغيرة وفي جوّات اللاوعي الإنساني، كما في قصّة "أثناء شرب الشاي".

افتتاحية المجموعة كانت بقصة "أثناء شرب الشاي"، والتي فيها الفنتازيا تتغلّب على الفقرة الأولى، بينما في الفقرة الثانية، نجد أنّ الواقعية قد قضت على الفنتازيا رغمَ وجودِ قاسم مشترك الا وهو ذاتَ النهاية في كلا الحالتين.

أمّا في قصّة "أكواب الماء وقطع الخبز"، فنجدُ أنّ الكاتب يحاولُ التركيز على الحدث بأسلوب فلسفي شيّق مكتوب بطريقة أشبهَ بجعلهِ حلمًا اوحقيقة متخيّلة! حيثُ الحركة البطيئة والوصف المنفصل والحوارات المتغلغلة في سياق الحدث.

وفي "صورة سالبة"، لا نقرأ في القصة سوى الوصف للشارع والجدران والستار وضحكات الناس، هذهِ التفاصيل التي (يبدو أنّها ترهق خيال الكاتب)، نراها هنا تعبّر عن سردٍ ما لأمكنة تراود ذهنَ الكاتب، ومنها يستطيع القارئ تخيّلها.

الشيء المثير في الكتاب هو أنّهُ منقسم لقسمين. هناكَ قسم "منابت الحنظل"، والذي يعتبرُ قصصًا جديدةً هي الأحدث لكاتبها، ومن ثمّ القسم الثاني "الشيء الذي ينأى"، وهي قصص كتبها الككلي في حقبة السبعينات، أي قبلَ دخولهِ للسجن. والقارئ البحث في القسمين أو المجموعتين، سيستمتع بلعبة الكشف عن تغيّر أسلوب الكاتب في مدّة الثلاثين سنة. سيرى كيف كانَ أسلوب كتابة القصة في فترة شبابهِ، ثمّ كيفَ بدأ يكتب القصّة في فترة رجولته. في القسم الأول نرى الكثير من الأزواج والأبناء، وفي القسم الثاني نرى الكثير من الأصدقاء والشباب.. وغيرها الكثير.

"منابت الحنظل والشيء الذي ينأى" مجموعة جميلة استمتعتُ مؤخرًا بقراءتها. قصص قصيرة بأسلوب بسيط وعمق وتساؤلات. والأكثر من ذلك، أنّها ممتعة في اجازتي الصيفية، ممتعة في الحرّ والنزهات والمواصلات، وتستحق القراءة.

Friday, 21 May 2010

محطات / سيرة شبه ذاتية / كامل المقهور


الصمت

الكتاب: محطات، شبه سيرة ذاتية / الكاتب: كامل المقهور / دار النشر: دار الروّاد / عدد الصفحات: 335 صفحة

في سيرتهِ الذاتية، يكتبُ الأديب الكبير كامل المقهور حكايات محلّة الظهرة وحياتهُ داخل فصول طويلة بعضها وقصير بعضها الأخر، معرّيًا في معظمها مشاهداتهِ للواقع المحلّي والشعبي بأسلوب بسيط خالٍ من اللعبة اللغوية، وسردٌ مشوّق خالي من الرمزية.

الكتاب الذي جاء تحتَ عنوان "محطات – سيرة شبه ذاتية"، والواقع في 335 صفحة من الحجم المتوسّط، يتحدّث المقهور فيه حولَ طفولته وشبابه في محلّة الظهرة والمدينة القديمة ثمّ سفره إلى مصر وعودتهِ بعدَ ذلكَ إلى طرابلس، متماشيًا بالسرد بشكلٍ متسلسل ومحاولاً قدرَ الامكان المحافظة على ترتيب سيرتهِ دونَ الخوض في أي أحكام شخصية أو أراء حولَ ما مرّ بهِ في تجربتهِ في الحياة، وخاصةً في الفترة الأولى في صباه، حينَ كانَ يراقب تلكَ الحكايات ويحكيها من بعيد.

الكتاب مليءٌ بالشخصيات الشعبية التي كانت تقيمُ في مدينة طرابلس في يومٍ من الأيام، خاصةً اليهود والطليان بمحلّاتهم ودكاكينهم وحاناتهم. بالاضافة إلى تشريح لعلاقة العرب باليهود والطليان في مواقف ظريفة وأقربُ منها إلى طابع النكتة. ومن بينِ تلكَ الشخصيات التي عرضها في الفصول الأولى في محلّة الظهرة، كانَ "مرسال" المجنون، والذي يقالُ أنّهُ كانَ متزوّجًا من جنّيةٍ في أدغالٍ أو حدائقَ موحشة، ويقضي معظمَ نهارهِ في احتساء كؤوس الكحول في حانات منطقة الظهرة وأكل اللحم والسمك. مرسال في كتاب المقهور هو ذاتهُ الذي كتبَ عنهُ الأديب علي مصطفى المصراتي قصّة قصيرة وضعها في مجموعة بذاتِ الإسم "مرسال". وبنشرِ المقهور لسيرته، فإنّهُ يقومُ بالتصديق على هذهِ الشخصية الغريبة التي كانت تثير الرعب في قلوب الأطفال والتساءل في عقول الكبار.

كما أنّ المقهور قد تطرّق في سيرتهِ إلى وظيفة العلم في فترة ما من تاريخ مدينة طرابلس، ومعنى التسلّح بالعلم والكلمة، مبتدأً بذلكَ من مدرستهِ الإيطالية بطرابلس، وحتى سفرهِ للقاهرة وبدئهِ في نشر القصص القصيرة في الصحف والجرائد المصرية، ثمّ عودتهِ إلى طرابلس وما تغيّر فيها منذُ أن تركها.

يلاحظ أيضًا أنّ الكاتب قد حاولَ المقارنة بينَ طرابلس والقاهرة في الفترة التي ذهبَ فيها للدراسة في مصر. كما أنّهُ يُعتبر كتاب صادم، خاصةً في الفترة التي صدرَ فيها، حيثُ أنّ الكاتب تناولَ طرح فكرة كتابهِ وسيرته بطريقة سلسة بعيدةً عن أي نوعٍ من الوقار الذي كانَ يكبّل كتّاب القرن الماضي في داخل كتاباتهم الابداعية.

كما أنّ الدين حاضرًا بقوّة في الكتاب كما هو الحال في المجتمع الليبي، فيسرد المقهور حكاياتهِ حولَ ما أنتجهُ الدين في عقول الفقهاء والشيوخ وعامة الناس، وكيفَ كانَ الدين يتحكّم بتصرفات الكثير من الناس في دولة باتت متعدّدة الأديان والأعراق.

محطّات كتاب جرئ في طرحهِ للظواهر الاجتماعية، وخاصة المرأة في المجتمع الليبي وقتذاكَ، حيثُ كانت مقسّمةً بين شكليات المرأة العربية واليهودية والإيطالية ونظرة كل واحدة منهنّ للأخرى. كذلكَ مشاهدات ووصف الكاتب لبنات الجيران والحبّ البرئ المتوقّف على الوصف والحلم وتناغم الجمال.

وكامل حسن المقهور كاتب ليبي من مواليد العام 1935، وتوفيَ في العام 2002، لهُ العديد من الكتب الأدبية والقصصية، نذكرُ منها: "الأمس المشنوق" و "حكاياتٍ من المدينة البيضاء".

---

كتبها: محمد مصراتي

للحصول على نسخة من الكتاب اضغط هنـــــا

Tuesday, 22 December 2009

خبـــر





صدرت مؤخرًا عن دار الفرجاني للنشر مجموعة "حكايات من البر الإنكليزي" للكاتب الليبي جمعة بوكليب، والذي صدرت طبعتهُ الأولى عن دار ليبيا للنشر في العام 2008.

والكتاب الواقع في 250 صفحة من الحجم المتوسّط يحمل بين صفحاتهِ ثمانية وأربعينَ حكايةً دوّنها بوكليب على مدى عامٍ كامل ونشرَ معظم فصولها في جريدة القدس العربي اللندنية، وهي حكاياتٍ متنقّلةً بينَ السخرية والدعابة السوداء منها إلى شخصياتٍ وحوادث مؤلمة ومعبّرة عن أحاسيس بطل الحكايات، وهو رجل ليبي مقيمٌ منذ فترةٍ طويلة في العاصمة البريطانية لندن، ومن تلكَ الأجواء والشخصيات، يستمدّ السارد / البطل / الكاتب قصصهُ وحكاياتهُ، فجاءت بلغةٍ بسيطة، مشوّقة، مضحكة ومبكية في الوقتِ ذاته.

يقولُ الكاتب والقاص عمر أبو القاسم الككلي حولَ مجموعة "حكايات من البر الإنكليزي":

"حكايات جمعة هي شهادات موضوعية، حيادها عادل وإيجابي، وانحيازها كذلك، ليس فيها تهجم على الآخر الأوربي ولا انبهار به، كما أنه ليس بها جلد للذات أو تصخيم لها، ومن هنا شحنتها الإنسانية العالية".

أمّا القاص غازي القبلاوي فيكتبُ عن حكايات بوكليب قائلاً:

"يجمع الكاتب (جمعة بوكليب) بين عدة اشكال سردية مختلفة، ولكن الشكل العام الذي يحتويها هو المقالة السردية القصصية، فالكاتب هنا لا يفصل بين الراوي ونفسه أو بين الشخوص التي يحتويها النص، فهو يجعل القارئ يتماهى مع شخصية السارد والكاتب مما يمنح النص خصوصية وحميمية تتميز بطابع السيرة الذاتية وهو ما يجعلها أقرب للتصديق لواقعيتها وفعلها المباشر من التركيب السردي المتخيل الذي تعتمد عليه القصة القصيرة أو الحكاية".

وعن دار الفرجاني صدرت كذلك الطبعة الثالثة من رواية "التابوت" للكاتب الليبي "عبدالله الغزال". والرواية الواقعة في 300 صفحة من الحجم المتوسّط تتحدّث عن تجربة حرب تشاد، يتداخل فيها الواقع بشخصيات محزنة وأحداث تراجيدية.

وقد فازت رواية التابوت بجائزة الشارقة للإبداع العربي في العام 2003، وتناولها النقّاد بحفاوة، وأعتبروا أنّها من أهمّ الروايات التي تتناول حقبة حرب تشاد. كما أنّها رواية متماسكة الأحداث، وأستطاعَ كاتبها بجدارة أن يدخلَ في أعماق النفس ويصفها بوضوح.

كما أشادَ الكاتب والمترجم الأمريكي إيثان شورن أدب عبدالله الغزال، وكتبَ عنهُ قائلاً أنّ ما يكتبهُ الغزال عميقٌ جدًا، سوءًا في قصصهِ القصيرة أو الروايات، فأعمالهُ تمتازُ بالوصف وتتركُ ذاكَ الأثر الحزين لدى القارئ. الحزن الذي يمتلئ بالتفاؤل. فشخصيات أعمال عبد الله الغزال هي شخصيات طائشة ومدمّرة ومنسية. أمّا الوصف، فهو تلكَ القدرة على وصف الأشياء البسيطة والعادية، وتحويلها إلى أشياءٍ ذاتَ قيمةٍ عالية.

وفي دراسة أجراها الناقد الليبي "عبد الحكيم المالكي" حولَ رواية "التابوت"، درسَ الناقد الأبعاد الحسّية والانسانية في جوّات النص، وفككهُ بحيثُ اختزلَ أهمّ النقاط التي تتناولها الرواية: التكوين الصوفي في ليبيا، النفط الليبي، وأخيرًا قضية الموت في أسارير النص. كما تحدّث عبدالحكيم المالكي حولَ الواقعية في النصّ، وعدم تفككهُ في تقنية الكتابة، معتبرًا أنّها خاصيةً من الصعب أن تتوفّر في العمل الروائي.

الكتابان متوفّران على موقع المكتبة الليبية الالكترونية، وفي مكتبات الفرجاني في القاهرة وطرابلس، ومكتبة الساقي بلندن، وسيتمّ توزيعهما لمعظم الدول العربية في الأشهر المقبلة.

Libya.books@hotmail.co.uk

http://www.libyabooks.co.uk

Saturday, 17 October 2009

نجوى بن شتوان إحدى الفائزين بجائزة بيروت 39


فرانكفورت - المكتبة الليبية الإلكترونية - وكالات


فازت الكاتبة الليبية "نجوى بن شتوان" بجائزة بيروت 39، بالإضافة إلى تسعة وثلاثون كاتبًا وكاتبة من معظم أنحاء الوطن العربي.
وقد تمّ الإعلان عن الفائزين بالجائزة في مؤتمر صحفي عُقدَ في فرانكفورت اليوم الجمعة الـ 16 أكتوبر.
والكاتبة بن شتوان من مواليد العام 1970. تكتب القصة القصيرة والرواية والمقالة الصحفية، ونُشرت لها مجموعتين قصصيتين وروايتين.



يشارُ أنّ الجائزة التي رشّحَ فيها ما يقارب المائتين اسم، كانت من بينها أربعة أسماء أخرى وهي: القاص غازي القبلاوي وحسن بوسيف، والشاعر عبد الوهاب قرينقو، وبالإضافة إلى الروائي الليبي هشام مطر.

Tuesday, 29 September 2009

قراءة في كتاب زيت القناديلي... سيرة رشاد الهوني وأعمالهُ الكاملة



قراءة: إنتصار بوراوي


كما عود الأستاذ سالم الكبتي قرائه بإصداره للكتب التي تحتفي وتبحث في الجوانب المجهولة لحياة رواد الكتابة الإبداعية ببلادنا، كما فعل في كتبه السابقة عن الكاتب الصادق النيهوم، والآن صدر له منذ فترة قصيرة كتاب عن رائد من رواد الصحافة الليبية وهو الصحافي "رشاد الهوني"، بعنوان "زيت القناديل: رشاد الهوني سيرة ونصوص".


يقوم الباحث بتصدير كتابه بمقدمة عن الصحافي والأديب رشاد الهوني، ذاكرا في مقدمته بأن الغرض من الكتاب هو أنه:" خطوة أولى تتوخى الإبانة عن دوره والكشف عن تاريخه وتراثه الأدبي والمهني الذي أهمل ولحق به وبآخرين أمثاله جحود ونسيان غير مبررين". ويتساءل الباحث عن سبب هذا التجاهل والجحود والنسيان لكثير من رواد الصحافة والكتابة في تلك المرحلة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، الذي شهد زخما فكريا ومعرفيا وثقافيا هائلا ظهرت بعض ملامحه في كثير من الصحف الصادرة في تلك المرحلة، والتي كانت أبرزها صحيفة الحقيقة.رشاد الهوني هو من الجيل الذي ولد في ثلاثينات القرن الماضي، الجيل الذي شكل ظاهرة في خمسينيات القرن العشرين، كما يقول الباحث سالم الكبتي رفقة أسماء كثيرة زخرت بها تللك المرحلة مثل: عبد القادر أبو هروس، عبد المولى دغمان، رجب الماجري، علي الرقيعي، مفتاح الشريف، يوسف الدلنسي، علي عميش، عبد القادر القويري، كامل المقهور، علي وريث، حسن صالح، طالب الرويعي، محمد المطماطي، راشد الزبير، عمر الشيباني، يوسف الشريف، الصادق النيهوم، وغيرهم. ومن بين كل هؤلاء كما يذكر الباحث: "رشاد الهوني إمتاز في هذا الجيل بأنه واحد من كتاب المقالة الصحافية في ليبيا وخارجها".ويسرد الباحث لتشكيلة البيئة والأسرة التي ولد بها الصحافي رشاد الهوني، التي تعود في أصولها إلى مدينة هون بالجنوب الليبي، ثم هاجرت لفترة للإسكندرية بجمهورية مصر العربية. ووالد الصحفي رشاد الهوني هو الشيخ البشير السنوسي الهوني، الذي أصدر عدة مؤلفات في مصر منها (ليس في الإمكان أبدع مما كان)، (النور الساطع والبرهان القاطع في الرد على المبشرين)، (البحث الجليل في تناقض آيات التوراة والإنجيل)، (الاتحاد الأوربي والغرض منه)، (مذكرات سائح)، وغيرها من مؤلفات إتجهت في مجملها لطرح ومناقشة موضوعات فكرية تختص بالدفاع عن الإسلام. ص18.ويذكر الكتاب بأنه كان للوالد تأثير في شخصية وفكر وتكوين الصحافي رشاد الهوني، وأيضا لدعم ومساندة أخوه الأكبر محمد دور كبير في صقل شخصية الصحفي رشاد الهوني، وخاصة بعد أن قام بتأسيس صحيفة الحقيقة في 7-3-1964 التي أصبح الصحافي رشاد الهوني مديرا لها في عام 1966، وكتب فيها مقالتة الأسبوعية الثابتة بعنوان (من يوم ليوم).وصحيفة الحقيقة كما هو معروف تأسست عام 1964 وتوقفت مطلع 1972، ولأن الصحافي رشاد الهوني كان مغرما ومولعا بمهنة الصحافة، فأسس في لندن عام 1977 صحيفة العرب، إستكمالا لحلمه الصحفي الذي إنقطع عام 1972


في الباب الثاني من الكتاب تكتب الصحافية والإذاعية حميدة البراني، مقالة عن زوجها الراحل رشاد الهوني، مبينة خفايا من مواقفه الإنسانية مع الآخرين، وفي مقالتها كتبت السيدة حميدة البراني بمنتهى الحب والعرفان الجميل للزوج والإنسان قبل الصحفي والأديب الذي يعرفه الناس، وبكلمات عميقة مؤثرة تكتب الصحافية والإذاعية حميدة البراني عن زوجها رشاد الهوني:" وأنا أكتب عن رشاد الهوني فإني أجد نفسي عاجزة عن التجرد والحياد.عجزت أن أراه بغير عيون المحبةوبغير قلب العاشقةوبغير وفاء التلميذة والمريدة ".ثم تسرد الصحافية حميدة البرااني لمسيرة الحياة رفقة رفيق العمر لمدة 27 عاما، الذي كان كما تقول كان الصديق والمعلم وكل الأهل.وتتحدث عن تأسيس صحيفة العرب في عام 1977 والخروج منها في عام 1979، ولكن الشي ء المفقود في كتاب زيت القناديل، والحلقة المفقودة في سيرة الصحافي رشاد الهوني في الكتاب، والتي لم يتم ذكرها سواء من الباحث ومحقق الكتاب الأستاذ سالم الكبتي، أو من زوجته، أو الكتاب الآخرين الذين قدموا شهادات عن الصحافي الراحل، عن سبب ترك الصحافي رشاد الهوني لصحيفة العرب التي قام هو نفسه بتأسيسها؟.ويكتب الأستاذ سالم قنيبر عن رفيق وصديق عمره رشاد الهوني ستة مقالات مطولة، ولكن الأستاذ سالم قنيبر حشد مقالاته الثلاث الأولى بكثير من نصوص الكتب عن الموت عند المصريين واليهود والمسلمين. وفي مقالته الرابعة المعنونة بـ (قبل أن تصدر الحقيقة)، يعود قنيبر بذاكرته ليسرد مسيرة الصداقة والعمل مع رشاد الهوني في بنغازي عام 1958 عندما عين مسجلا لكلية الآداب بجامعة قاريونس، فيما عين رشاد الهوني مسجلا لكلية التجارة والاقتصاد، ويفصل الأستاذ سالم قنير في مقالته الرابعة لملمح عام عن الحال الثقافية والصحافية والتعليمية في مدينة بنغازي في تلك الفترة، وعن إنتقاله للعمل رفقة رشاد الهوني في عام 1962 إلى شركة (إسّو) في البريقة، وعن تأثر الصحافي والأديب رشاد الهوني بالجو العام لهذه الشركة النفطية، وكتابته لقصة اقرب للمقالة عن تأثير ظهور النفط في البلاد، وهو لم يتجاوز عامه الخامسة والعشرون من عمره.ويورد الكتاب أيضا مجالا لمقالة كتبها الصحافي اللبناني سمير عطا الله عن فترة عمله بصحيفة الحقيقة، والتي لم تدم سوى لسبعة أشهر فقط، ولكنها كانت كافية لتظل راسخة في ذاكرته، ليكتب عنها بعذوبة وحنين، بعد أربعين عاما ذاكرا فيها بعضا من تفاصيل عمله اليومي بصحيفة الحقيقة.


ويكتب الدكتور محمد أحمد أوريث عن فترة عمله بصحيفة الحقيقة، وتفاصيل العمل في المطبعة الحكومة في مقرها القديم بجانب مستشفى الصدرية، قبل أن تكبر الصحيفة وتصبح (دار الحقيقة)، ويصبح لها مطبعة بالفويهات الغربية، وتتحول إلى جريدة يومية مشهورة وواسعة الإنتشار.ويدلي كل من الشاعر عبد الرزاق الماعزي وأبوبكر الهوني وحسن فؤاد وبكر عويضة شهادات قصيرة سريعة عن بعض تفاصيل مقاربتهم للصحافي رشاد الهوني، وعن دور صحيفة الحقيقة كصحيفة مستقلة في تللك الفترة في كشف كثيرمن الفساد، و عن الرواج الذي حظيت به الصحيفة، وخاصة حين كان يكتب فيها الكاتب صادق النيهوم مقالاته النارية والناقدة للمجتمع الليبي.في الجزء الثاني من الكتاب يفرد الباحث والمحقق الأدبي سالم الكبتي لبعض من من كتابات الصحافي والأديب رشاد الهوني في مجال القصة القصيرة، وبالطبع المقالة الصحافية، حيث ضم الجزء الثاني من الكتاب 18 قصيدة شعرية و14 قصة قصيرة وأكثر من 60 مقالة صحافية نكتشف حين نقرأها بتمعن مدى قوة وصلابة الصحافي رشاد الهوني في طرح كثير من المواضيع التي تهم رجل الشارع العادي، والتي تناقش أموره الحياتية ومشاكله الاقتصادية والاجتماعية في ستينيات القرن الماضي، بروح وثابة لا تعرف في الحق لومة لائم، كاشفا أوجه الفساد في بعض الأجهزة الحكومية والشركات، كما في مقالته (ماذا يزرع السماسرة)، التي أظهر فيها حقيقة ما يجري داخل شركة (إسّو) النفطية. كما نقرأ من بين مقالاته مقالة قوية يدافع فيها رشاد الهوني عن كتابات الصادق النيهوم ويوسف القويري وغيرها من المقالات التي هي غيض من فيض لمقاله الأسبوعي الذي سيذكر في تاريخ الصحافة الليبية بإعتباره صاحب أسلوب مميز يجمع بين المعلومة والخبر والفكرة المختزلة دون أسراف أو تطويل أو قصر مخل بالمواضيع التي يطرحها أمام الرأي العام الذي كان بتابع صحيفة الحقيقة بشغف.كتاب (زيت القناديل) للباحث والمعد الأدبي سالم الكبتي، هو كتاب يستحق القراءة، وينبئ عن جهد شخصي لمعده، وهو تقريبا عمل مؤسساتي، أي أنه من المفترض أن تكون هناك مؤسسات ثقافية تتكفل بمثل هذا الجهد الذي يقوم الباحث سالم الكبتي، بحب وعشق للتاريخ الأدبي، بعمله في صمت، وبعيدا عن الأضواء، وبدون ضجيج، وبحب لجميع من أعطى بصدق وحب لمدينة بنغازي، التي كانت منارة ثقافية تعج بشخصيات ثقافية كثيرة.


عنوان الكتاب: زيت القناديل

إعداد: سالم الكبتي

سنة النشر: 2007

دار النشر: دار الفضيل للنشر والتوزيع.

للحصول على نسختك:

قراءة في مجموعة جمعة بوكليب 'حكايات من البر الانكليزي'

قراءة: غازي القبلاوي


يتميز السرد النثري بأشكاله المتعددة بقدرته على التطور بحسب التغيرات المستحدثة على حياتنا اليومية، فالسرد بشكل عام يمنح الكاتب الفرصة للتعبير عن الحالة المعاشة بطريقة تبتعد عن التقريرية والمباشرة الصحفية أو الغنائية الشعرية وخاصة في الثقافة العربية التي ما تزال أسيرة للقوالب الأدبية التقليدية في التعبير واختزال الواقع إلى كلمات والمعاني التي تختبئ وراءها.

وإن كان السرد النثري قد اقتصر على شكل القصة القصيرة والرواية بنوعيها الطويل والقصير وتفرعاتها من رواية أدبية إلى رواية الإثارة، والجريمة، والفانتازيا، وقصص وروايات الأطفال والمراهقين، فإن الكتابة التي تجمع ما بين المقالة الصحفية بتقريريتها واعتمادها على اللغة المباشرة والقصة التي تتميز بالجمل القصيرة والتكثيف وفي بعض الأحيان اللغة النثرية الغامضة بما في ذلك من محدودية المكان والزمن الواقع فيهما السرد، فإن ما اصطلح على تسميته بالمقالة السردية أو ربما المقالة الحكائية، تظل من الأجناس السردية التي لم تتعرض للتجريب بشكل واسع في الأدب العربي المعاصر.

في كتابه الصادر حديثاً عن دار ليبيا للنشر بالقاهرة (حكايات من البر الانكليزي) يجمع الكاتب (جمعة بوكليب) بين عدة أشكال سردية مختلفة، ولكن الشكل العام الذي يحتويها هو المقالة السردية القصصية، فالكاتب هنا لا يفصل بين الراوي ونفسه أو بين الشخوص التي يحتويها النص، فهو يجعل القارئ يتماهى مع شخصية السارد والكاتب مما يمنح النص خصوصية وحميمية تتميز بطابع السيرة الذاتية وهو ما يجعلها أقرب للتصديق لواقعيتها وفعلها المباشر من التركيب السردي المتخيل الذي تعتمد عليه القصة القصيرة أو الحكاية. كما أن لجوء الكاتب إلى المكاشفة والمجاهرة بوجهة نظره في ما يرى ويسمع وما يتابعه من خلال سرده لأحداث من سيرته الذاتية أو حياته تمنح الكاتب وسيلة للتعبير من خلال شكل المقالة الصحفية، فاللغة المستخدمة وإن انتحت جانب الاختزال والتكثيف الذي تتميز به القصة أو الحكاية فإنها في كثير من الأحيان تتميز بالمباشرة وسلاسة الوصف وسهولة البناء.

جمع الكتاب خمساً وأربعين حكاية أو مقالة سردية. وباستثناء الحكايتين الاولتين في المجموعة (العد من الواحد إلى العشرة) و(حصار) اللتين كتبتا في أوقات سابقة وبطريقة اقرب إلى المقالة في الأولى والقصة القصيرة في الثانية فإن باقي الحكايات اتخذت من أسلوب المقالة السردية وسيلة للتعبير عن الحالة المعاشة. وبشكل عام يمكن للقارئ أن يتبين عدداً من المستويات للسرد تشترك فيها هذه الحكايات.

فالراوي/الكاتب لا يختفي وراء شخصية مركزية متخيلة وإنما لا يدع مجالاً للشك بأن من يروي الحكاية هو الكاتب ذاته، لذا يجد القارئ نفسه يتفاعل مع هذه الشخصية بشكل مباشر ويتعايش مع الكاتب/الراوي في جميع مراحل حياته التي يسردها وهذا المستوى الأول من السرد هو المفصل الأساسي لقدرة الكاتب على كسر الحواجز بينه وبين القارئ بل إنه يكاد ينجح في إخفاء المتخيل لحساب الواقعي والحقيقي.

المستوى الثاني، هو المكان الذي يقع فيه السرد والذي يدور معظمه في (البر الانكليزي) بحسب تعبير الكاتب أو انكلترا بمعناها السياسي العام الشامل للجزر البريطانية وبعاصمتها (لندن) المدينة التي اختزلت في زمن ما إمبراطورية امتدت لتشمل العالم بأسره. فمعظم الأحداث تدور في مدينة لندن ليس بأسماء شوارعها أو ميادينها أو مبانيها القديمة والحديثة ولكن بحمولة هذا المكان التاريخية والحضارية، وفي حالة السارد بشخوصها والتي تمثل الوقود الذي يحرك تروس هذا الوحش العملاق المسمى (لندن) لكي تستمر في الحياة والازدهار تاركة وراءها أكواما من الجثث البشرية التي طحنتها عجلة الحياة في هذه المدينة التي لا يعرف قلبها الرحمة، بينما في البعد تلوح مدينة أخرى يحاول السارد تبيانها أو ربما الوصول إليها، مدينة تظهر باستحياء في النص، في بعض الأحيان، أو ربما تظهر بقوة وبلا مواربة في أماكن أخرى من الحكايات، وهي مدينة (طرابلس) الليبية مسقط رأس الكاتب، لكن (الفرق بين لندن وطرابلس كالفرق بين مدينة لا تراك وأخرى تنكرك) فلندن مدينة (لا تحب إلى نفسها) وطرابلس (كالقطة تأكل بعض أبنائها ومن نجا منهم... عليه مواجهة مصير العيش مكابداً ألم نكران أمه له!!).

أما المستوى الثالث فهو الشخوص التي اختارها الكاتب لتشترك معه في أداء هذه الحكايات وهي في مجملها شخصيات تبدو وكأن السارد قد تعثر بها نتيجة عيشه في البر الانكليزي، وفي اغلبها تجدها تدخل النص بشكل مفاجئ وتخرج منه بشكل سريع مما يوحي بغربة هذه الشخصيات عن المكان وعن بعضها البعض فالجميع يحمي نفسه بجدار من الحزن واللاجدوى، بعضهم عابر سبيل، ومنهم من يقيم في انكلترا لسنوات طويلة ولكنه ما يزال يعتبر نفسه عابر سبيل، بعضهم شارك الكاتب فنجان قهوة أو سيجارة على باب مقهى أو مطعم وآخرون ساقتهم الأقدار أو العبث أمام الكاتب فلم يجد مفراً من التعامل معهم ولكنهم في آخر المطاف يرحلون ليبقى النص مفتوحاً أمام فراغ مكان لا يحوي سوى شخصية (الرواي/الكاتب) وهو ما يعمق إحساس الغربة، المحور الرئيسي لهذه الحكايات.

أما على مستوى اللغة الموظفة في النص والتي تتكئ على أسلوب السخرية التي تتلون باللون الأسود في بعض الأحيان فقد منحت هذا اللغة، وخاصة من خلال استخدام تعابير محلية وأمثال شعبية ليبية وعامية، بعداً حميمياً يجعل النص أكثر التصاقاً بالواقع المحكي وهو ربما ما جعل الكاتب يصنف نصوصه السردية في فئة الحكايات أو (الخرافات) الشعبية التي كانت الجدات تحكيها للأطفال قبل النوم وتنحو إلى استخدام الأمثال والحكم الشعبية المستوحاة من حكايات بها الكثير من المفارقات الساخرة والمضحكة في بعض الأحيان. إلا أن الكاتب لا يخفي شغفه باللغة الشعرية المتأنقة والتي استعملها في أكثر من حكاية أو في جمل قصيرة ضمن حكايات أخرى أكثر واقعية ومباشرة.

وتبقى (حكايات من البر الانكليزي) للكاتب (جمعة بوكليب) نصوصاً سردية تمتاز بالعفوية والتلقائية والالتصاق بالواقع بعبثه ولا معقوليته ولكنها في نفس الوقت ترسم على شفاهنا ابتسامة متمردة تقفز بين فكي الألم والغربة المرة في هذا البر البعيد عن الشمس والألق، وبذا ينجح جمعة بوكليب في تقديم حكاياته/حكاياتنا بتواضع يقل نظيره في مثل هذا اللون الأدبي وبسرد لا يتعالى على القارئ ولا يمارس تسلطاً على عقولنا مما يمنح مساحة رحبة للخيال بالتحليق دون حدود، دون قيود.. هذه حكايات أولى وفي انتظار المزيد.



نوع الكتاب: غلاف عادي

الناشر: دار ليبيا للنشر

سنة النشر: 2008

للحصول على نسختك: