
كتبها: محمد الفقيه صالح
عن كيكــــا
حينما بدأ عاشور الطويبي نشر محاولاته الشعرية الأولى بشئ من التردد، عام 1977، كان يكتب نصوصه بعفوية مترعة بروح القلق والتمرد، وكأنه كان يندفع إلى التخلص من جيشانها السديمي في أعماقه، لذلك حيرنا في البدء نصه القلق بإيقاعه الفوضوي وتشوشه وضبابيته ونثريته المشاغبة والخارجة عن انضباطيتنا التفعيلية، وكأني به كان يتشمم أو يتحسس منحى التحول الكبيرالذي سيطرأ على الذائقة الشعرية العربية الحداثية باتجاه القصيدة الحرة الجديدة (التي شاع تسميتها بقصيدة النثر) في انطلاقتها الكبرى الثانية، أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، تأسيسا على ما أرسته في انطلاقتها الأولى إبان الخمسينيات، وما راكمته من رصيد شعري ونظري لدى روادها الحداثيين العرب، الذين يأتي في طليعتهم توفيق الصائغ ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وأدونيس، فضلا عما تراكم وشاع من ترجمات باللغة العربية لكثير من شعر الحداثة في الغرب.
ولم تكن تلك الكتابات الشعرية التي نشر الطويبي بعضها، عامي 77 و78 تحديدا، سوى محاولات أولى محملة عادة بقلق البدايات وارتباكها، لكن التجربة لم تلبث أن تبلورت وترسخت إبان عشرية الثمانينيات، التي سافر خلالها الشاعر إلى أوروبا ( أيرلندة ) للدراسة العليا في مجال الطب، ما أتاح له فرصة الاحتكاك المباشر بتجربة الحداثة الأوروبية، قراءةومعايشة.
وفي هذه العشرية ، غاب الطويبي عن الساحة الثقافية وعن منابرها المتوفرة المحدودة، بالتوازي مع غياب بعض أصدقائه ومجايليه في غياهب العزل الاضطراري، وإيثار بعضهم الآخر اللواذ بمنفى الصمت الاختياري. ولم يعد الشاعر إلى نشر نتاجه الشعري، في ما توفر من منابر ودوريات محدودة هذه المرة أيضا، إلا بعد أن عاد أصدقاؤه إلى التنفس من جديد في الفضاء الثقافي، أواخر ثمانينيات القرن الماضي وبدايات تسعينياته. وفي هذه الفترة، وبالتحديد في عام
1993، طلع علينا الطويبي بكتابه الشعري الأول " قصائد الشرفة "، فكان مفاجأة لي ولكثير من محبي الشعر في بلادنا، وإيذانا بميلادشاعر حداثي متميز، وتجربة شعرية لافتة.
2
سيرسي الطويبي في "قصائد الشرفة " الأساس الأولي المتين لمشروع شعري ماانفك يتنامى ويتفرع وتتهدل ثماره العفية الطيبة، بما يؤهله لأن يكون أحد الإسهامات الليبية المحدودة في مدونة القصيدة الحرة الجديدة وقصيدة النثر في الثقافة العربية المعاصرة. وسيتخلى منذئذ عن التعمل الذي شاب علاقته القديمة بلغة التجربة الشعرية، باتجاه التناغم والتلاحم معها، مداورة وملاينة، تماما كما قال في كتاب قصائد الشرفة:
منذ عشرين سنة
كنت حادا مع الكلمات.
الآن أصبحت أئن
تحت وطأتها
هي نفس الكلمات.
ستنحو لغة الشاعر، في قصائد الشرفة وفي المجموعات الشعرية الأربعة التي تلته: " أصدقاؤك مروا من هنا " عام 2002 ، و" نهر الموسيقا " عام 2004، و" صندوق الضحكات القديمة " عام 2005، و" قصائد من أعلى الهضبة وظلال الرمل " عام 2008 ، نحو التركيز والتكثيف والاقتصاد والإضمار، وسيتماوج الأداء الشعري بين التقرير والتصوير، وبين البساطة والتركيب، وسيعمد الشاعر إلى تأثيث مشروعه الشعري بكل ما في مقدوره وما في ميسور جماليات شعر الحداثة من أدوات وأسلوبيات، وفي مقدمتها شعريات الرصد والمشهد البصري والتأمل والسرد وغيرها، متلفعا ببردة الحياد الظاهري، ومتسلحا بطراءة روح الطفل وبكارة الطبيعة، ومنصرفا إلى الهامشي والعادي والمتواري، وقد أضفى على كل ذلك ما تيسر من ميتافيزيقاه الشخصية.
وستتبلور التجربة أكثر فأكثر، وتترسخ، بل تتفرع وتغتني بمزيد من الكشوفات واللقى الشعرية، في المجموعات الشعرية الأربعة المذكورة التي تلت " قصائد الشرفة "، حيث يتوغل الشعر في الزوايا الظاهرة والخفية التي تمده بالنسغ والحيوية والغضارة، مصعدا العادي والشخصي والهامشي إلى مستوى الأسطورة الخاصة، ومستدرجا الأسطوري إلى دائرة الألفة، أو لائذا بالطبيعة وصمتها الأبدي من عربدة العبث والعدم والفناء والمجهول المنفتح على اللانهاية، وإلا فكيف نفهم رغبة الريح في " اقتناص الموجات الهاربة منذ قرون / الموجات التي وضعت أثوابها الزبدية على شواطئ الدنيا وانسابت مع الماء في هدوء الموت " ( من كتاب نهر الموسيقى ) ، وكيف نتحسس قلق الكائن الانساني من "صوت قطرات العمر في الغرفة الباردة "، كما جاء في واحدة من ( قصائد من أعلى الهضبة ) ، أما يشي ذلك بالتوق اللافح إلى القبض على برهة الكينونة العابرة وإنقاذها من الاندياح والتلاشي في بحر الزمان السرمدي ؟
2
و فـي هذا الكتاب الشعري الجديد ، يؤكد عاشور الطويبي، بدءا من عنوانه " في معرفة الكائنات والأشياء " وحتى آخر نص فيه ، انتماءه الراسخ والعميق للرؤيا الشعرية الحداثية التي ترى إلى الشعر بحسبانه ضربا مخصوصا من ضروب الوعي والمعرفة ، قائما على حدس البصيرة ، وليس من سبيل إلى اكتسابه غير سبيل الشعر .
ولئن واصل الشاعر في هذا الديوان ، ما اعتاد عليه في دواوينه السابقة ، من اعتماد على أسلوبية التراكم وأسلوبية التكرار ، في تأثيث إيقاعاته الشعرية ، فإننا نلمس حرصه الشديد على عدم الركـون ، لا إلى المنجز الشعري الحداثي العام فحسب ، بل وإلى منجزه الشخصي ذاته .
ولذلك تتعدد وجوه الشعرية في هذا الكتاب ، وتتكثر أدواتها وأساليبها ، بتعدد نصوصه تقريبا ، بحيث يبدو الأمر وكأن كل نص من تلك النصوص إنما جاء نتيجة الضرب في تيه التجريب ومجاهيل المغامرة . واللافت الغريب في هذا الشأن ، أن هذا اللوبان المضني حول الشعري، ومحاولة اقتناصه في شباك الحرف ، لا يقتصر علـى الغامـض الموغل في سريته وهرمسيته فحسب ، كما فـي نص " ناي تنوح بـه الروح وينـوح الجسد ، " أو نص " قلقة عين لاعب النرد "، بل ويمتد حتى إلى البسيط الموغل في قربه وبداهته ، كما في نصوص " خوف " و " أصبع اليد " و " السحب " وغيرها ، وكأن شدة القرب بعد ، من حيث أنها تشد اللقانة إلى الاكتفاء بالبراني، دونما حافز للغوص إلى الجواني النفيس، الذي يجهد الشعر من أجل مناوشته وإيقاظه من عتمته .
بل لايتوانى الشعر، في هذا الكتاب، عن مقاربة الشعري وكشف الغطاء عنه ، حتى في وقائع التاريخ ، مثل نص " القيصر "، الذي يندرج في إطار شعرية التقرير ، والذي يشتمل على حقائق تاريخية ومعطيات رقمية عن " نيكولا الثاني " آخر قياصرة روسيا ، وعن بعض ما اقترفه من فظائع ، لكن المؤسي والموئس في آن معا،الذي يتراءى في خاتمة النص، هو أن الثوار الذين يستندون إلى آلام الشعوب وأحلامها في مقاومة أحلام الأباطرة سرعان ما يتطلعون هم أيضا إلى أن يكونوا أباطرة جددا، لكي تتكرر نفس المأساة من جديد ، في متوالية لا تنتهي .
ويرتدي الشعر في هذا الكتاب _ أحيانا _ إهاب أسلوبية السرد الحكائي، كما هو الأمر في نص " ترنيمة من القرن السابع ق . م " مثلا، الذي يعيد فيه الشاعر بناء حكاية خرافية أوردها هيرودوت عن مأساة أهالي " بسيلي " من الليبيين القدماء الذين خرجوا ، تحت وطأة القحط والجفاف ، إلى الصحراء شاهرين سيوفهم ورماحهم لمقاتلة رياح القبلي الكالحة ، فانتهى بهم الأمر إلى الهلاك في رمل متاهة الصحراء الجهنمية .
4
ولئن كان التجريب أحد االملامح الرئيسة في تجربة الطويبي الشعرية عموما ، فإنه يطرق في هذا الكتاب أبوابا بعيدة تماما عن التوقع ، كأن يتنكر في صورة مدونة بحثية ، ضمن نص طريف وشائق إلى أبعد الحدود ، هو نص " إخفاقات ابن منظور في النخل " ، أو يتبدى في شعرية اللعب والمعابثة ، كما في نص " سيمترية " ، أو في إيقاع السرد السينمائي ضمن ما يمكن أن نسميه " شعرية المشهد البصري " ، التي يمثلها عدة نصوص ، لعل أوضحها نص " خزان أبيض " الذي ينتقل فيه الراصد الراوي من وصف خزان أبيض يلوح له من نافذة حجرة الأطباء ، إلى وصف ممرضة ذات أنف مدبب تحول بحركتها دون تمكن الراصد من رؤية ذلك الخزان رؤية كاملة واضحة ، إلى وصف معطف الممرضة " الذي يحمل : " هلالا أحمر قريبا من القلب / عشرين زرا موزعة بانتظام / وشاحا بخطين متوازيين / وثلاثة طيور وردية / على وشك الانطلاق " لكي نكتشف في نهاية المطاف أن وصف الخزان والممرضة ، في الصورة الكلية للنص ، لم يكن سوى تمويه ومخاتلة ، أما التركيز فكان في حقيقة الأمر على معطف الممرضة الذي يحمل ثلاثة طيور توشك على الانطلاق ، وبذلك يستبان أن الجملة الأخيرة هي التي يتأوج عندها هذا النص الشعري، لانطوائها على انزياح في الدلالة يشي بالرغبة في الانطلاق والحرية، الأمر الذي خلص النص – فيما أرى – من عاديته وألقى به في مدار التوتر الشعري ، دون أن نستبعد أن يكون في الأمر لعب ومعابثة أيضا.
وفي سياق هذا الرصد السريع لوجوه الشعرية ومغامرات التجريب في هذا الكتاب الشعري الممتع ، يعن لي أن أتوقف قليلا عند نص " خوف " الذي يستند هو الآخر إلى أسلوبية التكرار والتوالي ، إذ تتألف بنيته من عدة جمل يبدأ كل منها بفعل " أخاف " في صيغة المضارعة ، بدلالته الزمنية الآنية والمستمرة معا ، وبصورة هي أدنى إلى شكل الدائرة الحلزونية التي يمكن لكلا طرفيها أن يكون مبتدأ أو منتهى ، وأعني بذلك إننا يمكن أن نقرأ هذا النص من أوله إلى آخره ، أو بالعكس ، دون أن نستشعر أي ثقل أو نشاز، ضمن إيقاعية لولبية جهنمية ، تسيطر فيها واقعة " الخوف " وحقيقته القاتمة على كل اللحظة الشعرية إلى حد يشارف تخوم اليأس .
كما أود التوقف أيضا عند نص آخر بعنوان " ربما ليس لا " الذي تفتح " ربما " في المقطع الأول منه باب الإمكان والاحتمال ، بما في ذلك احتمال أن " تتلاشى إلى الأبد خطوات العسس " في حين يخضع المقطعان الآخران اللذان يبدآن بـ " ليس " في أحدهما ، و " لا " في الآخر ، لاستراتيجية الحذف والاقتصاد اللفظي ، التي تفتح هي الأخرى الباب لشعرية المضمر ، فتزيد بذلك من درجة تكثيف النص الشعري ، وتتيح للمتلقي فرصة استنطاق أو استبنات لغـة ثانية في فضائه .
5
ويحضر في عتبات نصوص هذا الكتاب ومتونها ، أصدقاء الشاعر بكثافة وحميمية ملحوظتين :
العباني وحميدان والزنتاني والككلي والفيتوري وزكريا محمد والترجمان والشريف والنمر والعوكلي وأبوشويشة وكاتب هذه السطور ، فندرك أن الشعر قرين الصداقة العميقة الصافية ، بهما تغتني الذات ويزدهي الوجود . كما يحضر بعض من ذويه الذين يشكلون جانبا أساسيا من وجدانه وذاكرته : أمه وأختاه في الإهداء، وأبوه وأخوه " عمر " في إحدى القصائد . هذا بالإضافة إلى الشاعر المناضل " ناظم حكمت " والمبدع العبقري " خورخي بورخيس " . وتحضر كذلك الأماكن والمدن المضمخة بعبق التاريخ والفن والأساطير: صبراتة وسيلين وطرابلس وطلميثة ودمشق والجامع الأموي وروما وغيرها . كما تحضر أشياؤه الأليفة : الماء والزيت والنخل والعسل والدائرة والقوس والسرول وطائر السليو والخطيف ، فضلا عن البحر والسحب والوديان والجبال والصحراء والغابة وحقول القمح والشعير وغيرها من المفردات والعناصر التي تشكل المشهد الطبيعي التي يتحرك ، به وفيه ، الكون الشعري في هذا الكتاب ، حيث يمكن للشاعر أن يخلق بشطحة من قلمه عالما كاملا ، ثم يعن له أن يفنيه أيضا بحركة واحدة من أصبعه ، كما يشي بذلك نص" أصبع اليد "، في عملية هي أدنى إلى فكرة اللعب والمعابثة، وهل الشعر في وجه من وجوهه سوى ضرب من ضروب اللعب؟ ألم يقل هولدرلين إن الشعر " أوفر الأعمال حظا من البراءة " ؟ وهل يختلف الشاعر في ذلك عن الطفل الذي ينمهك في تشييد بيت من الرمل على الشاطئ، ثم لا يلبث في لحظة عارضة أن يحوله بضربة من يده أو قدمه إلى كوم لا معنى له ، وكأن في صنيع الشاعر والطفل كليهما، تساميا على عبثية الوجود وهشاشة الحياة، ولذلك لا يملك ما يسميه الشاعر " الطائر الوعل " ، وهو يتلقى في عزلته العالية شكاوى الكائنات المتألمة، سوى أن يدق في كل صباح " بقدمه الصخرة الصلبة/ وينطلق إلى أعلى صائحا :
لا جدوى
لا جدوى ... "
6
هكذا يكتب الطويبي نصه الشعري المغاير الذي يتغيا خلق واقع جمالي جديد يطاول أفق الأسطورة الجديدة أو المتجددة، بلغة مقتصدة مركزة تتحرك بكثير من العفوية والحرية والحيوية، ولاتتردد في الامتياح أحيانا من الحوشي الغريب، حتى وإن كان ذلك من باب التهكم المر، مثلما تمتح من المتداول المألوف، تسندها في ذلك مخيلة خصبة متوقدة لاتتوانى عن مناوشة الغريب والمدهش وارتياد الأصقاع القصية في عالم التجديد والتجريب والمغامرة، ويؤثثها _ فوق ذلك كله _ وجدان يانع أصيل مفعم بالحب والحكمة والحنين.
0 comments:
Post a Comment